سالغاري والقرصان الأسود

korsan

 

سالغاري والقرصان الأسود*

معاوية عبد المجيد

 

تُعتَبر رواية «القرصان الأسود» إحدى أروع الروايات التي جادت بها مخيّلة إميليو سالغاري، عرّاب أدب المغامرة في إيطاليا؛ وقد ترجمها كَاصد محمد إلى العربيّة، لتصدر عن منشورات المتوسّط عام 2016. فمن هو إميليو سالغاري؟ وما أهميّة هذه الرواية في تاريخ الأدب الإيطاليّ؟

ولد الكاتب عام 1862 في مدينة فيرونا، والتحق بالمعهد البحريّ في البندقية وسرعان ما ترك دراسته ليعمل في المجال الصحفيّ. اشتهر بكتابة القصص القصيرة والمسلسلة على صفحات الجرائد، حتى تهافتت عليه دور النشر فألّف ما يقارب الثمانين رواية، تتحدّث جميعها عن مغامرات البحار والبلاد البعيدة التي تعكس ولعه في الملاحة والاستكشاف. ورغم الاعتراف بمكانته الأدبيّة فقد عاش سالغاري فقيراً ومنعزلاً، وانغمس في الكتابة حتى دخل حالة اكتئاب أفضت به إلى الانتحار في مدينة تورينو عام 1911.

أما عن أهميّة الرواية، الصادرة عام 1898، فلا بدّ لنا من التذكير بأنّ أعظم ما يميّز الأدب الإيطاليّ هي استمراريّته عبْر العصور. وإن تعرّضت بعض الأمم لمراحل خمولٍ فكريّ، فإنّ إيطاليا عُرفت دومًا بقدرتها على إنجاب الأقلام الكبرى والمبدعين العظام بدءًا بدانتي وليس انتهاءً ببازوليني. لكنّ العلامة التي أحدثها إميليو سالغاري كانت فارقةً في تاريخ هذا الأدب، فضلاً عن بصمته المميّزة التي بات أثرها واضحًا في تاريخ الأدب العالميّ بشكل عامّ.

تميّزت كتابات سالغاري بالتأرجح بين مبدأين أدبيّين متناقضين يعكسان التعامل مع شكل الرواية ومضمونها. فبينما يركّز المبدأ الأول (Romance) على خلق عالمٍ خياليٍّ وآفاق عجائبيّة خارجة عن المألوف، يعتمد المبدأ الثاني (Novel) على المادّة الواقعيّة الملموسة واليوميّة في نسج الحدث الروائي. وهنا تتجلّى براعة سالغاري في وصفٍ واقعيٍّ مفصّل لذلك العالم الذي نشأ برمّته بفضل التخييل الأدبي.

إضافة إلى أنّ الكاتب يصهر هذا الناتج في بوتقة واحدة ليضعه بين يدي قرّائه آملًا أن يكون مفيدًا في تربيتهم الأدبيّة والأخلاقيّة. إذ إنّه يجعل من القرصان – الذي غالبًا ما تحمّله الشائعات أوصافًا سلبيّة – بطلًا نبيلًا وفارسًاً مثاليًّاً يخوض غمار الحروب بقلبٍ لا يلين إلّا أمام الحبّ، فتراه يذرف دموعه حين تشتبك قصة حبّه مع دوافع انتقامه المشرّفة.

ومن جهة أخرى فإنّ سالغاري يصنع بطلًا شعبيًّا يتميّز به عن باقي الآداب الأوروبيّة. وهذا ما لفت انتباه أنطونيو غرامشي حين حلّل النظريّة القوميّة في الأدب الإيطاليّ، واصفًا سالغاري بالمبدع لقدرته على خلق بطلٍ شعبيّ، تروج حكاياته في أرجاء إيطاليا، رغم أنّه من صنع الخيال، فيما تدور مغامراته المفترضة في بلادٍ بعيدة جداً عن إيطاليا، وتمتدّ من ماليزيا إلى وسط أفريقيا فالكاريبي والقارّة الأمريكيّة.

وقد نعثر على طيف سالغاري في كلّ الأفلام السينمائيّة التي نقلت أدب المغامرة إلى الشاشة الكبيرة. وهنا نستذكر أمبرتو إيكو في تحليله لشخصيّة السوبرمان وأثرها على الجماهير. إذ ربط إيكو هذه الشخصيّات السينمائيّة بجذورها الأدبيّة وعزّز مكانة سالغاري في ابتكار هذا النموذج الهرقليّ الحديث، ناهيك بإبداعه لبطلٍ شجاع ينقذ الآخرين ويعيش لحظاتٍ مصيريّةً فيها من الأهوال الجانبيّة ما يكفي لاستنزاف قضيّته العالقة بين الحبّ والثأر والتصدّي للغزاة.

تأخّر سالغاري عن موعده مع القرّاء العرب ما يزيد عن قرنٍ كامل. خيرٌ من أن لا يأتي أبدًا. فـ«القرصان الأسود» ما هي إلّا أوّل حلقة في سلسلة طويلة، ستُترجم إلى العربيّة تباعًا، كما أنّنا في هذه السنة سنقرأ رواية أخرى للكاتب نفسه، بعنوان «زهرة القيامة: عجائب الألفيّة الثالثة»، صادرة عن منشورات المتوسّط أيضًا، بترجمة أمارجي*. وإذا كانت «القرصان الأسود» رائعة سالغاري في أدب البحار والمغامرات، فإنّ «زهرة القيامة» هي رائعته في أدب الخيال العلميّ والتنبؤيّ بمصير الحياة في ظلّ التكنولوجيا. فليكن إميليو سالغاري بمثابة جول فيرن الأدب الإيطاليّ!

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s