ماذا يفعل الجهاديّون حين لا يقاتلون

 

ماذا يفعل الجهاديّون حين لا يقاتلون

اورسولا ليندسي URSULA LINDSEY

المصدر: THE CHRONICLE OF HIGHER EDUCATION

ترجمة: معاوية عبد المجيد

04/01/2016

أعلن توماس هيجهامر (THOMAS HEGGHAMMER) عن قرب صدور كتابه الجديد عن منشورات جامعة كامبردج، والذي أشرف عليه بمشاركة عدد من علماء الموسيقى والأدب والأنثروبولوجيا والعلوم السياسيّة تحت عنوان مبدئي: «الثقافة الجهادية: ماذا يفعل الجهاديون حين لا يقاتلون» (JIHADI CULTURE: WHAT MILITANT ISLAMISTS DO WHEN THEY’RE NOT FIGHTING)

يسعى الكتاب إلى الإحاطة بالثقافة الجهاديّة التي تتكوّن من نشاطاتٍ يوميّة قد تبدو عديمة الجدوى للوهلة الأولى، لكنّها تهدف في مجملها إلى تهيئة الظروف المناسبة للجهاد، وقد تكون دراستها مفيدة في مكافحة الإرهاب على الصعيد السياسيّ والعسكريّ أيضًا.

وتتجلّى هذه الثقافة بعدّة أشكال، منها «إظهار الحزن الأليم على الملأ». يلاحظ الكاتب أنّ هذا الطقس شائعٌ جدًّا في صفوف الجهاديّين، حتى إنّ أبو مصعب الزرقاوي كان مشهوراً بـ«الجزّار» نعم؛ لكنّه اشتُهر أيضًا بلقبٍ آخر مغاير تماماً: «البكّاء» أي الذي يُكثِر من البكاء.

ويشرح الباحث أنّ للبكاء دلالةً عظمى على الإيمان، خصوصًا أثناء تلاوة القرآن والخُطَب التي تتحدّث عن معاناة المسلمين في كافّة أرجاء العالم، وعن الشهادة والرغبة في بلوغها. وفي المقابل، لا يحبّذ الإسلاميّون البكاء على استشهاد رفيق السلاح، بل عليهم أن يغبطوه في هذه الحالة ويتمنّوا لأنفسهم النهاية نفسها.

ويراقب إيان إدغار (IAIN EDGAD) دور الأحلام في العقيدة الجهاديّة، وهو أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة دورهام. إذ يقول إنّ كثيرًا من المسلمين يتناولون الأحلام بمنتهى الجدّيّة، نظراً إلى كونها رسائل إلهيّة لا ريب فيها. واكتشف أنّ زعيم طالبان الراحل الملا عمر، كان يعتاد التحرُّك والتخطيط بناءً على الإنذارات التي يتلقّاها في أحلامه. ويذكر أنّ أسامة بن لادن أيضًا كان يباشر أيّامه في استجواب أتباعه إن كانوا قد رأوا حلما دلالياً في الليلة السابقة. ويضيف أنّ زعماء الجماعات الجهاديّة يستخدمون الأحلام كي يشرعنوا قراراتهم (القيام بغزوة مثلًا) بناءً على الوحي الإلهيّ وتأكيدًا على اقتيادهم بسنّة الرسول الكريم وصحبه. «من المذهل أنّ الحلم ما زال يتمتّع بدورٍ أساسيّ في السياسة المعاصرة وفي أكبر النزاعات التي نشهدها حاليًا» يقول إدغار.

ومن جهة أخرى، يتناول الكتابُ القصصَ التي تحيكها الحركات الإسلاميّة حول نفسها. إذ يهتمّ برنارد هايكل (BERNARD HAYKEL)، أستاذ الدراسات حول الشرق الأوسط في جامعة برنستون، بأهميّة الشعر عند المتطرّفين الإسلاميّين الذين يحرّمون كافّة أشكال الفنّ والأدب ليبقى الشعر منفذًا وحيدًا تعبّر فيه الجماعة عن نفسها كما يرى.

تتضمّن الأشعار التي يكتبها الجهاديّون مواضيع معينة، كالشكوى من المصاعب التي يكابدونها وشكرهم لله الذي اختارهم دون غيرهم لتحمّل تلك المشقّات. ويستخدمون البلاغة اللغويّة لمجادلة أعدائهم وذكر محاسن قتلاهم، واتّخاذ مواقف تاريخية في شتّى القضايا الدينيّة والسياسيّة. ويمجّدون زعماءهم ويخلّدون كرّهم وفرّهم عبْر تلك الملاحم الشعريّة. ويضيف هايكل أنّ الغرب يقف مستغربًا إزاء هذا النوع من الشعر. ويردف أنّه غالبًا ما يُكتب على بحورٍ عربيّة أصيلة وأساليب إسلاميّة قديمة تبرر أحقّيتهم في الخلافة وتولّي شؤون الأمة، وذلك رغم عزمهم على إنشاء واقعٍ راديكاليّ جديد بالمطلق.

ويتساءل هيجهامر: «لماذا «يُهدِر» الجهاديّون وقتًا كبيرًا في نشاطاتٍ ثانويّة، وهم ملاحَقون من كلّ أجهزة الاستخبارات في العالم ويقضون حياتهم في المخابئ أو في ساحات القتال؟» قد تكون لهذه التطبيقات الثقافيّة قيمة استراتيجيّة حيويّة، إذ تتلاشى الفوارق بين النشاط الثقافيّ والنشاط العسكريّ. ولكن «هل من الضروريّ مثلًا هدر الوقت والطاقة في وضع موسيقى تصويريّة ترافق الفيديوهات الترويجيّة التي تدعو إلى تجنيد الشبّان؟»

وهنا يردّ جوناثان بيسلاك (JONATHAN PIESLAK)، أستاذ النظريّة الموسيقيّة في سيتي كوليج نيويورك، أنّ المتطرّفين الإسلاميّين يحرّمون الموسيقى، لكنّهم يعمدون إلى تطبيق نمطٍ موسيقيّ وحيد، يُعرف بـ«النشيد»، يفلت من التحريم لأنّه مجرّد طريقة غنائيّة لا ترافقها الآلات الموسيقيّة، واشتُهر به الإسلاميّون في حقبة السبعينات. ويَعتبر بيسلاك النشيدَ بمثابة الموسيقى التصويريّة التي تعتمد عليها أغلب فيديوهات الجهاديّين.

يتطرّق بيسلاك إلى جنوح المجموعات الجهاديّة في البداية لاستلهام الألحان من الأغاني الشعبيّة الرائجة في تأليف كلمات النشيد، ثمّ ينتجون ألحانهم الخاصة (والمتشابهة في أكثرها) بعد اتّساع نفوذهم. ويلاحظ أيضًا كيف تحسّنت جودة الصوت ودقّة التوزيع مع مرور الوقت، ويفترض أنّه من الممكن تقييم قوّة أحد التنظيمات استنادًا إلى قوّته في إنتاج ثقافته الموسيقيّة. ويضيف أنّ الموضوع الحاضر في مجمل تلك الأغاني يشدّد على ضرورة النهوض بالأمّة للدفاع عن مشروعها العظيم وقضيّتها النبيلة التي «تتكالب عليها الأمم الأخرى».

وهذا يُبرِز أثرَ الموسيقى على عواطف الإنسان. إذ طرح أنور العولقي، الجهاديّ البارز الذي قُتِل في اليمن عام 2011، طرح رسالةً تحمل عنوان «44 طريقة لدعم الجهاد»، ويؤكّد فيها أنّ النشيد المُغنّى له قدرة على الانتشار وجذب الجماهير أكثر من أيّ خطبة أو محاضرة أو كتاب ما.

يتوهّم الجهاديّون أنّهم قادرون على إحياء ماضٍ مجيد، وهم بأكثريّتهم العظمى خارجون عن القانون آتون من بلاد بعيدة، وغالبًا ما يقطعون صلاتهم بأهلهم وأصدقائهم. «إنّهم في حاجة إلى ثقافةٍ تبارك خياراتهم وتدعم قراراتهم» يقول هايكل.

كما تواجه دراسة الثقافة الجهاديّة تحدّياتٍ كبيرة، ينسبها هيجهامر إلى عوامل مختلفة منها قلّة الكفاءات اللغويّة والمعارف الثقافيّة، وحجب منتديات الجهاديّين عن الإنترنت بدافع مكافحة الإرهاب. كما يشير إلى أنّ تلك الفيديوهات تهدف إلى جذب الموالين إليهم، فهي نسخة مزوّقة عن حياة الخنادق ولا يمكن اعتبارها مرجعًا دقيقًا بالمطلق.

«لا يتشجّع الشبّان دومًا بسبب العقيدة، بل بما يرونه ممتعًا في التفاصيل الصغيرة من حياة المجاهد» يؤكّد هيجهامر «الأمر الذي يوازيه تطوّع شبّاننا في الجيش. قد لا يفهم الجنديّ شيئاً في السياسة لكنّه ينجرّ وراء إعجابه بالحياة العسكريّة وإطلاق الأوامر وتنفيذها والمغامرات والصداقات، إضافةً إلى المغريات الماديّة والمعنويّة الأخرى».

ويذكر هيجهامر أنّ الغاية من كتابه تفنيد آراء المراقبين السطحيّين، سواءً أكانوا على يمين المشهد السياسيّ أم على يساره، باعتبارهم الإرهابيّين مجرّد وحوش مجانين أو ضحايا الفقر والتهميش والعنصريّة. ويختم بقوله: «أنا أقوم بهذا البحث لأنّي مضطرٌّ لمعرفة دوافع هؤلاء إلى التصرّف بهذه الطريقة. لا أحد يقرّر فجأة أن يفجّر نفسه، بل إنّه يخضع لتأهيلٍ طويلٍ ومتدرّج تتقاطع فيه العقيدة العامّة بمسارات المُجاهِد الفرديّة. علينا أن نعتبرهم بشرًا في المقام الأول، وأنّ لهم ثقافةً لابدّ من دراستها لتجنّب آثارها الهمجيّة».

  • جديرٌ بالذكر أنّ الكتاب صدر في مارس 2017 تحت عنوان: (الثقافة الجهاديّة: التقاليد الفنيّة والاجتماعيّة للجهاديّين الإسلاميّين)، عن منشورات جامعة كامبردج (Cambridge University Press, United Kingdom)، ويقع في 284 صفحة.
  • JIHADI CULTURE, The art and Social Practices of Militant Islamists
  • لمزيد من المعلومات: الموقع الرسميّ للباحث http://hegghammer.com/
  • نبذة عن كاتبة المقال، اورسولا ليندسي: https://arabist.net/lindsey/

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s